ابن قيم الجوزية

191

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

بسيئاته ودخل بها النار . ثم بعد ذلك أخرج منها ، وأعطي مكان كل سيئة حسنة ، صدقة تصدق اللّه بها عليه ابتداء بعدد ذنوبه . وليس في هذا تبديل تلك الذنوب بحسنات . إذ لو كان كذلك لما عوقب عليها كما لم يعاقب التائب . والكلام إنما هو في تائب أثبت له مكان كل سيئة حسنة ، فزادت حسناته . فأين في هذا الحديث ما يدل على ذلك ؟ والناس استقبلوا هذا الحديث مستدلين به في تفسير هذه الآية على هذا القول ، وقد علمت ما فيه . لكن للسلف غور ودقة فهم لا يدركها كثير من المتأخرين . فالاستدلال به صحيح ، بعد تمهيد قاعدة ، إذا عرفت عرف لطف الاستدلال به ودقته . وهي أن الذنب لا بد له من أثر ، وأثره يرتفع بالتوبة تارة ، وبالحسنات الماحية تارة ، وبالمصائب المكفرة تارة ، وبدخول النار ليتخلص من أثره تارة . وكذلك إذا اشتد أثره ، ولم تقو تلك الأمور على محوه . فلا بد إذا من دخول النار لأن الجنة لا يكون فيها ذرة من الخبيث . ولا يدخلها إلا من طاب من كل وجه . فإذا بقي عليه شيء من خبث الذنوب أدخل كير الامتحان ، ليخلص ذهب إيمانه من خبثه . فيصلح حينئذ لدار الملك . إذا علم هذا فزوال موجب الذنب وأثره تارة يكون بالتوبة النصوح . وهي أقوى الأسباب . وتارة يكون باستيفاء الحق منه وتطهيره في النار . فإذا تطهر بالنار ، وزال أثر الوسخ والخبث عنه ، أعطي مكان كل سيئة حسنة . فإذا تطهر بالتوبة النصوح ، وزال عنه بها أثر وسخ الذنوب وخبثها ، كان أولى بأن يعطى مكان كل سيئة حسنة . لأن إزالة التوبة لهذا الوسخ والخبث أعظم من إزالة النار ، وأحب إلى اللّه . وإزالة النار بدل منها . وهي الأصل . فهي أولى بالتبديل مما بعد الدخول . يوضحه : الوجه التاسع : وهو أن التائب قد بدّل كل سيئة بندمه عليها حسنة . إذ هو توبة تلك السيئة ، والندم توبة . والتوبة من كل ذنب حسنة . فصار كل ذنب عمله زائلا بالتوبة التي حلت محله وهي حسنة . فصار له مكان كل سيئة حسنة بهذا الاعتبار . فتأمله فإنه من ألطف الوجوه . وعلى هذا فقد تكون هذه الحسنة مساوية في القدر لتلك السيئة . وقد تكون دونها . وقد تكون فوقها . وهذا بحسب نصح هذه التوبة ، وصدق التائب فيها ، وما يقترن بها من عمل القلب الذي تزيد مصلحته ونفعه على مفسدة تلك السيئة . وهذا من أسرار مسائل التوبة ولطائفها . يوضحه : الوجه العاشر : أن ذنب العارف باللّه وبأمره قد يترتب عليه حسنات أكبر منه وأكثر ، وأعظم نفعا ، وأحب إلى اللّه من عصمته من ذلك الذنب : من ذل وانكسار وخشية ، وإنابة وندم ، وتدارك بمراغمة العدو بحسنة أو حسنات أعظم منه ، حتى يقول الشيطان : يا ليتني لم أوقعه فيما أوقعته فيه ، ويندم الشيطان على إيقاعه في الذنب ، كندامة فاعله على ارتكابه . لكن شتان ما بين الندمين . واللّه تعالى يحب من عبده مراغمة عدوه وغيظه . كما تقدم أن هذا من العبودية من أسرار التوبة . فيحصل من العبد مراغمة العدو بالتوبة والتدارك ، وحصول محبوب اللّه من التوبة ، وما يتبعها من زيادة الأعمال هنا ، ما يوجب جعل مكان السيئة حسنة بل حسنات . وتأمل قوله يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ [ الفرقان : 70 ] ولم يقل مكان كل واحدة واحدة فهذا يجوز أن يبدل السيئة الواحدة بعدة حسنات بحسب حال المبدل .